السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

82

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

على كفرهم وكذبوه وجحدوا رسالته ، فأخبرهم أنهم إذا لم يؤمنوا فإن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ليال ، فاتقوا منه ، واشتد غضبه عليهم ، ولما لم يجد نصحه لهم نفعا أعرض عنهم وتركهم وذهب خارج قريتهم ، فلما فقدوه عرفوا أن ما وعدهم به من العذاب واقع بهم لا محالة لأنهم لم يجربوا عليه كذبا ، فخافوا وندموا ، فلما أصبحوا توقعوا نزول العذاب فرأوا غيما أسود فغشاهم فأيقنوا أنه ما وعدهم به ، فلبسوا المسوح وخرجوا إلى الصحراء بنسائهم وأولادهم ودوابهم وأظهروا توبتهم للّه وإيمانهم برسوله وردوا المظالم إلى أهلها وعجّوا إلى اللّه بالدعاء وعملوا ما كان يأمرهم به نبيهم وانتهوا عما نهاهم عنه ، حتى أنهم صاروا يقلعون الأحجار المغصوبة من بنائهم ويعطونها أهلها ، وصاروا يتضرعون إلى اللّه ، وفرقوا بين الأولاد والأمهات من نوع الإنسان والحيوان ، وازداد بكاؤهم وبالغوا بالاستغاثة إلى اللّه . وهم يشاهدون الدخان يظهر من ذلك الغيم ، وانه لا يزال بسود ويتكاثف ويقرب منهم حتى غشي مدينتهم كلها واسودت أسطحتهم وأحاط بهم من كل جانب ، وهم يلحّون بالدعاء إلى اللّه ويستصرخونه بالإغاثة ، وصار الأطفال يتصايحون والحيوانات تتثاغى ، والنساء تبكي ، وازداد عويل الرجال لرقة قلوبهم على الأولاد والحيوانات والنساء وأملهم برجاء اللّه رفع بلاءه عنهم وهو يتقوّى ساعة فساعة ، ثم ذهبوا إلى شيخ لهم كانوا يعتقدون به فشكوا إليه نزول العذاب واستطلعوا رأيه واسترشدوا به ، فقال لهم قولوا يا حي حين لا حي ، يا حي محيي الموتى ، ويا حي لا إله إلا أنت . وقال الفضيل قالوا اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم وأجل ، فافعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن له أهل . وأنابوا كلهم إلى اللّه بإخلاص ونصح وصدق ودعوا كلهم بلسان واحد بذلك الدعاء وابتهلوا إلى اللّه تعالى موقنين قبول رجائهم ، فرحمهم وكشف عنهم العذاب أولا بأول ، وبدد تلك الغيوم حتى لم يبق منها شيء ، فقرحوا وسبحوا اللّه وحمدوه وشكروه ، ثم أمر اللّه يونس بالرجوع إليهم ، فقال رب كيف أرجع فيجدوني كذابا لأني وعدتهم بالعذاب فكشفته عنهم ، وإن عادتهم إذا كذب الرجل دون بيّنة قتلوه ، وانصرف مغاضبا . وسنأتي على بقية هذه القصة في الآية 139 فما بعدها من سورة الصافات الآتية حتى لا تتكرر